ابو البركات
195
الكتاب المعتبر في الحكمة
العقل مساغا في نسبتها إلى الأمزجة وكذلك قالوا في المعادن على اختلافها ولم يفكروا في خواصها وافعالها فيقولوا باي مزاج يجتذب المغناطيس الحديد ويهرب الحجر من الخل وقوم نظروا فعرفوا ذلك في النبات والحيوان واعترفوا بان خواصه من الأحوال والافعال تكون عن قوى خاصية لا عن مزاجه وامتزاجه واتضح لهم ذلك في النبات والحيوان لظهوره يتفنن افعاله وأحواله وهيئاته واشكاله على ما قلنا ولم يقولوا بذلك في المعادن لان شاهدها ابعد وتفنن أحوالها وافعالها أقل فجزموا القول وحتموا النظر فيها على أن اختلاف أنواعها وخواصها وطبائعها لاختلاف امزجتها وتشعب لهم من هذا النظر ان يحاولوا بتدابيرهم الصناعية عمل أنواع من أنواعها الطبيعية لاعتقادهم ان الطبيعة لم تفعل فيها غير المزاج والامتزاج وذلك مما يقدر عليه الانسان بصناعته ويتصرف فيه وبه بدق وسحق وطحن وشيء وطبخ وتصعيد وتقطير وحل وعقد وغفلوا عن الامتزاج والمزاج بين اجزاء الممتزجات مما لا يدركه حس فيتصرف فيه ولا عقل فيقدره ولا تجربة فتحصله وغفلوا عن القوة المعدنية والخاصية التي تفعل بادراك الصغير الباطن قبل الجليل الظاهر ويعد لها المزاج ويستعد لها الممتزج بحسب امتزاجه ومزاجه فما لا يعلم ولا يعرف كيف يقصد حتى يعمل فان قلبوا وبدلوا وزادوا ونقصوا وقصدوا بذلك ان يحدوا الغرض المقصود بين حدود الزيادة والنقصان وفي طريق التقليب والتبديل فذلك مما لا يتناهى ولا ينضبط فيما لا يتناهى فإذا وجد المزاج بان يعثر عليه المتصرف في تقليباته وزياداته ونقصاناته لم يتم الغرض بغير كمال معدنى زماني كالبيضة التي إذا وجدت لا تولد بغير حضان وفي كمال الزمان والحضان في المعدنيات هو في المعدن الذي لا يعرف فيطلب أو يعرف فلا يحوج إلى هذا الاعداد الصناعي ومثل الذهب والياقوت ونحوهما من نفائس المعادن انما يتكون في مدد مديدة ومواد مستعدة عتيدة فان الطويل البقاء من الكائنات طويل مدة الكون كما نجده في الحيوان والنبات وعملوا في ذلك قانونا علميا